تشيع في المجالين الثقافي والعلمي العربيين في العصر الحاضر كثير من المفاهيم التي تقف حاجزًا بين العرب والاستفادة من التقدم العلمي المعاصر. وأوضح ما تكون هذه المفاهيم في مجال الدراسات الإنسانية. ومن هذه المفاهيم الشائعة القول بأن العلوم الإنسانية في العصر الحاضر نشأت في ظروف غريبة عن الظروف العربية الإسلامية وفي سياق فكري مختلف، لذلك لا يمكن تعميم هذه العلوم على الحضارات الأخرى ومنها الحضارة العربية الإسلامية. ومن أجل ذلك كثيرًا ما نسمع عن بدائل مقترحة لهذه العلوم الغربية من حيث النشأة؛ فنجد من ينادي بعلم اجتماع عربي أو إسلامي أو بعلم اقتصاد عربي أو إسلامي أو بلسانيات عربية إلى غير ذلك.
ولاشك أن الربط بين العلوم الإنسانية والظروف والسياقات الفكرية في المجتمعات الغربية التي تأسست فيها ليس قولاً باطلاً كله، فقد نشأت هذه العلوم أساسًا استجابة لظواهر وجدت في تلك المجتمعات. لكن الأمر الذي يجب أن يوضح هو أنه على الرغم من هذه الحقيقة فهذه العلوم قابلة للتطبيق في حضارات أخرى غير الحضارة الغربية. ويأتي إمكان التطبيق هذا من حقيقة أخرى لا يكثر الجدال حولها، تلك هي أن العلوم في تطورها تنفصل جزئيًّا عن المؤثرات الأساسية التي كانت نتيجة لها وتنحو نحو التعميم والشمول.
فهي في تطورها لابد أن تتناول ظواهر لم تكن وجوه القرب بينها وبين الظواهر الأولى واضحة، ولابد لها ـ إن أرادت أن تصل إلى مرتبة النظريات العلمية ـ أن تنطبق في مجتمعات غير المجتمعات الأولى التي نشأت فيها، وذلك نتيجة للتجريد الذي يصاحب كل نظرية تَقصد إلى عمق التفسير والغوص وراء الظواهر الخادعة.
ثم إن ما يدعى بعلوم إنسانية غربية ليست نتاجًا للغربيين وحدهم الآن وليست مطبقةً على مجتمعات غربية فقط؛ فالمشاركون في إنتاجها ينتمون إلى خلفيات حضارية متعددة والمجتمعات المدروسة تنتمي إلى حضارات متعددة أيضا. بل إن ما يدعى نتاجًا علميًّا غربيًّا مصوغًا على شكل نظريات دقيقة الآن يمكن مقارنته بما يوجد من ملاحظات وإسهامات في حضارات قديمة وغير غربية. وسنرى فيما بعد أن بعض تلك الحضارات القديمة تناولت الظواهر التي تدرسها العلوم الإنسانية في الغرب الآن بأساليب تقرب من الأساليب العلمية التي تدعى غربية الآن.