توفي الأربعاء الماضي (27/1/2010م) المؤرخُ والناشط السياسي الأمريكي الشهير هاوراد زن Howard Zinn عن سبع وثمانين سنة. ولا يتسع المجال هنا لاستعراض جوانب حياته الحافلة، لكن الوفاء لكفاحه الإنساني الطويل يقتضي الإشارة إلى بعضها.
فقد قضى معظمَ حياته في التدريس الجامعي والمعارضة السياسية. وعرَّضه ذلك للسجن أيامَ المظاهرات الكبرى ضد الغزو الأمريكي لفيتنام في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات الميلادية. يضاف إلى ذلك نشاطه المعروف للمطالبة بالحقوق المدنية للأمريكيين من أصول إفريقية خاصة، في تلك الفترة.
وارتبط اسمه باسم صديقه المقرَّب أستاذ اللسانيات والناشط السياسي الشهير نعوم تشومسكي، إذ خصصا معظم نشاطهما الفكري لفضح التسلط الأمريكي الرسمي داخليا وخارجيا المدعوم بالمصالح الضيقة للشركات الكبرى ومراكز النفوذ الأخرى.
وُلد زن لأبوين يهوديين مهاجرَين، واشتغل في أعمال يدوية ثم التحق بالقوات الجوية الأمريكية واشترك في الحرب العالمية الثانية، وندم على ذلك كثيرا، وهو ما كشف له عن عبثية الحروب وشرورها. وتابع تعليمه ليحصل على الدكتوراة في التاريخ. وبدأ التدريس في كلية Spelman للبنات وكانت مخصصة للأمريكيات من أصول إفريقية في مدينة أطلانطا في ولاية جورجيا.
وطُرد منها لدفاعه عن حقوق النساء، ثم التحق بالتدريس في جامعة بوسطن حتى تقاعده منها. لكنه عاد إلى الكلية التي طرد منها في مايو 2005م، ليلقي خطابا في المتخرجين فيها بعنوان "ضد التثبيط"، اكتسب شهرة واسعة.
ونشر عددا كبيرا من الكتب والمقالات الأكاديمية والصحفية، وألقى عددا كبيرا جدا من المحاضرات في مختلف الموضوعات. ومن أشهر أعماله كتابُه الذائع "تاريخ الشعب الأمريكي" الذي بيعت منه ملايين النسخ، وصار مقررا حتى في المدارس الثانوية. ووصفته نيوورك تايمز (28/1/2010م) بأنه "من أكثر الكتب مبيعا وألهم جيلا من طلاب الثانويات والجامعات لأن يعيدوا النظر في التاريخ الأمريكي". وقال عنه تشومسكي: "لا أستطيع أن أذكر أنه كان لشخص مثل هذا الأثر القوي وغير الضار بسبب كتابه الذي غيَّر الطريقة التي يَنظر بها ملايين الناس للماضي".
وقال: "دَرس زن ما أسماه عددا لا يحصى من الأفعال الصغيرة التي قام بها أناس لا يعرفهم أحد وهي التي قادت إلى لحظات عظيمة دخلتْ في السجل التاريخي. وكان ذلك التحول في المنظور والفهم عميقا جدا ومهما للغاية".
ويَصف زن منهجَه في التدريس، في سيرته الذاتية التي نشرها بعنوان "لا يمكن أن تكون محايدا وأنت تركب قطارا يسير، تاريخ شخصي لعصرنا"، 1994م"، إن "تدريسي مندمج بتاريخي الشخصي. فأنا أحاول أن أكون عادلا مع وجهات النظر الأخرى، لكني أرغب في شيء يتجاوز "الموضوعية"؛ فأنا أريد أن يُنهي طلابي الفصولَ التي أدرِّسها وهم ليسوا أكثر معرفة فقط، بل أكثرَ استعدادا لأن يتخلَّوا عن عافية الصمت، وأن يكونوا أكثر استعدادا للتعبير عن وجهات نظرهم، وأن يَعملوا ضد الظلم حيثما يرونه. ومن الطبيعي أن هذا كله ليس إلا وصفة للمشكلات (التي ستواجههم)".
وقال حين سئل عن كيف يُحب أن يُذكر بعد وفاته بسبب "تقديمه طريقة مختلفة عن العالم"، إنه يريد أن يتذكره الناس بوصفه "شخصا أعطى الناس شعورا بالأمل والقوة اللتين لم يكونوا يملكونهما من قبل". وهو يأمل باختفاء الحروب والحدود السياسية بين الدول وحرية الحركة للناس عبْرها.
ومن محاضراته اللافتة الأخيرة محاضرة بعنوان "الحروب المقدسة" (2008م)، فنَّد فيها "قدسية" الحروب التي تصفها كتب التاريخ الأمريكية بأنها "حروب عادلة"، ومنها حرب الاستقلال، والحرب الأهلية، والحرب العالمية الثانية. ويميز بين "القضايا العادلة" و"الحروب العادلة" مبينا أن "القضايا العادلة" لا تتطلب بالضرورة أن تشن الحروب من أجلها. بل يمكن أن تحل بطرق سلمية بدلا عن ذلك.
ومن المهم الإشارة إلى نشاطه في ما يخص قضايا منطقتنا. فقد كتب عن الاحتلال الإسرائيلي كثيرا مستنكرا العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. ويشيد كثيرا بالجنود الإسرائيليين الذين يرفضون الخدمة في الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وبالإسرائيليين الذين يتظاهرون ضد الحروب الإسرائيلية.
ولم يمنعْه كونه يهوديا من النظر إلى المآسي البشرية نظرة أكثر شمولا. فقد كتب مقالا بعنوان "نحو ضمير أشمل" (ترجمتُه إلى العربية ونشرتْه "الحياة" في 27/11/1999م، وهو منشور في كتابي: "العولمة والإرهاب: حرب أمريكا على العالم"، مكتبة مدبولي، 2003م)، عرض فيه لـ"المحرقة اليهودية" التي طُلب منه الحديث عنها في إحدى المحاضرات. لكنه ألقى محاضرة بديلة رأى فيها أنه يجب النظر إلى هذه المأساة في إطار إنساني أشمل.
ويقول فيها: "بدا لي أنه لا يمكن لتذكُّر ما حدث لليهود أن يَخدم أيَّ غرض مهم إلا إذا نشأ عنه النقمةُ والغضب والعمل ضد المآسي كلها في كل مكان في العالم". وأشار إلى أن "من المهم أن نشير إلى أنه قد نشأت، على هوامش ذلك الاهتمام المركزيّ الغنيّ عن أيّ تعزيز (بالمحرقة)، صنعةٌ للمذكِّرين (بها) الذين يعملون المستحيل لكي تستمر الذكرى حية من أجل أغراضهم الخاصة".
"كما استَخدم الصهيونيون المحرقةَ، منذ حرب 1967م، لتسويغ التوسع الإسرائيلي المتزايد في الأراضي الفلسطينية، ولرص صفوف التأييد لإسرائيل المحاصَرة (وهي التي أصبحت محاصرة أكثر فأكثر، كما توقَّع بن جوريون، بسبب احتلالها للضفة الغربية)".
وعارض زن الغزو الأمريكي للعراق فكتب عددا من المقالات وألقى عددا من المحاضرات يطالب فيها بخروج الأمريكيين لأن تدخلهم أسهم في كثير من المآسي التي لم تكن لتحصل لولا ذلك الغزو.
ومن المهم الإشارة إلى أنه كان أحد الموقِّعين على البيان الشهير بعنوان: "بيان يمليه الضمير: لا تتحدثوا باسمنا"، الذي وقعه عدد كبير من الناشطين السياسيين الأمريكيين يبرأون فيه من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر (ترجمتُه ونشرتْه "الوطن"، 2/6/1423هـ، منشور في الكتاب سالف الذكر).
وورد فيه: "الغرض من هذا البيان أن يَسمع العالمُ أن المواطنين الأمريكيين لم يَصمتوا حين أعلنتْ حكومتُهم حربا مفتوحة على العالم وسنَّت بعض التشريعات القمعية العنيفة الجديدة.
ندعو نحن الموقعين على هذا البيان المواطنين الأمريكيين إلى مقاومة الإجراءات التي اتُّخذت وكذلك التوجه السياسي العام الذي ساد بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وهي التي تُعد مصادر لأخطار هائلة على شعوب العالم كافة".
لقد فَقَد العالمُ بموت هاوارد زن رمزا ثقافيا رفيعا، ومنارة أخلاقية عالية، وبطلا من أبطال حرية الضمير.
*الوطن (العدد 3415)، 20/2/1431هـ/4/2/2010م.