Skip Navigation Links
من تاريخ الافتئات
الافتئات على المؤسسات الدينية الرسمية
القضية أبعد من الشهود
أرشيف المقالات...
 
اضف بريدك الى قائمتنا البريدية
   
 
جامعة الملك سعود
أطلس العالم العربي
شبكة المواقع السعودية
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات
مكتب التربية العربي لدول الخليج
 ماهو تقييمك للموقع ؟



5/3/1431هـ/18/2/2010م.
 د. حمزة بن قبلان المزيني
الإشراق الغربي
 
حفظ المقال
 

لا تتجلى نزاهة الكاتب في نقد الدول أو الثقافات الأخرى، بل في الجرأة على نقد مظاهر القصور في الدولة أو الثقافة التي ينتمي إليها. ذلك أن نقد الآخرين سهل ولا تترتب عليه عواقب غير سارة.

ويعرف القارئ الكريم الآن بعض الكتّاب والمفكرين والصحفيين الغربيين والإسرائيليين الأمناء الذين نذروا حياتهم لفضح الجرائم التي ترتكبها دولهم ضد الشعوب الأخرى.
ومن أبرز هؤلاء الناشطين الغربيين ضد السياسات الغربية، والأمريكية خاصة، في منطقتنا، الأمريكيان: نعوم تشومسكي وهاوارد زن، والصحفيان الإسرائيليان المتميزان: جدعون ليفي وأميرة هاس، واللسانية الإسرائيلية البارزة تانيا رينهارت، وغيرهم كثير.

ومن الأمثلة الأخرى المشْرِقة التي ربما لا يعرفها بعض القراء، المحامي الأمريكي سكوت هورتون Scott Horton صاحب المشروع المتواصل في كشف أكاذيب الدوائر الحكومية الأمريكية، مثل وزارة الدفاع ووزارة العدل، وتجاوز ذلك إلى كشفه سلسلة الأكاذيب التي ربما تصل إلى الرئيس السابق بوش وبعض وزرائه.

فقد نذر هورتون نفسَه للدفاع عن حقوق الإنسان، وهو المؤلفُ الرئيس لعدد من الدراسات التي أصدرتْها جمعية نيويورك للمحامين عن قضايا الانتهاكات المرتبطة بالطريقة التي تنفَّذ بها الحملة العدوانية التي تسمى بـــــ"الحرب على الإرهاب". وكتب عددا من المقالات المهمة عن هذه القضية في مجلة هاربر HARPER الليبرالية الأمريكية، وغيرها. ومنها: "العدالة بعد بوش: محاكمةُ إدارةٍ خارجة على القانون"، هاربر، ديسمبر 2008م، و"حالة الاستثناء: حرب بوش على حكم القانون"، هاربر، يوليو 2007م.

وكتب مقالا طويلا من أهم أعماله التحقيقية نشرتْه مجلة هاربر في 19/1/2010م بعنوان يمكن ترجمته بـــ: ""انتحار" جوانتنامو: أحد حراس معسكر دلتا يفضح الحادثة" The Guant?namo “Suicides”: A Camp Delta sergeant blows the whistle.
ولا يمكن للتلخيص أن يوفي المقال حقه؛ فهو نموذج فريد من التحقيق الاستقصائي الذي يبحث الحقيقة بالتفتيش عن مصادرها بدأب مثير للإعجاب. ويَحسن أن يُقرأ بتفاصيله لمضمونه ولمهنيته العالية التي لا تترك مجالا إلا لنتيجة واحدة تتمثل في إدانة الدوائر الأمريكية المختصة بالقضية التي كتب عنها بالكذب وإعاقة العدالة.

وتتصل تلك القضية بادعاء المسؤولين العسكريين في معتقل جوانتنامو بأن ثلاثة من المعتقلين العرب "انتحروا" في مساء التاسع من يناير 2006م. وهم السعوديان: ياسر الزهراني ومانع العتيبي، واليمني صالح السلامي.
ويدين هورتون، في بداية مقاله، الرئيسَ أوباما لعدم وفائه بالوعد الذي قطعه على نفسه بإغلاق المعتقل المشؤوم. ويشير إلى أن من الممكن أن يكون شريكا للرئيس السابق بوش في تلك الجريمة لأن الإدارة الجديدة فشلت في التحقيق بصورة جادة بما يمكن أن يكون جريمة قتل، بل هناك ما يوحي بأن إدارة أوباما ربما تكون شريكة في الجريمة لأنها تحاول التغطية عليها.

وتتبع هورتون هذه القضية التي كان المسؤول عن المعتقل، هاري هاريس، قد أعلن، بصفاقة لا مثل لها، أنها حالة "انتحار"، وتجاوز حدود المعقول إلى القول بأنه "يَعتقد" أن الثلاثة لم "ينتحروا" بسبب اليأس بل كان فعلهم ذاك "نوعا من الحرب غير المتكافئة التي تُشن ضدنا"!! ويشير هورتون إلى أن تلك القصة قُبلت على هذا الوجه في وزارتي الدفاع والعدل، ولم يشك أحد في صدقها إلا أسر الضحايا الثلاثة.

وقد أصدرت "إدارة التحقيق الجنائي في البحرية الأمريكية"، بعد سنتين من الحادثة، تقريرا يؤيد الادعاء الأساسي كما ورد على لسان هاريس. ورفضت وزارة الدفاع الأمريكية إعلان ذلك التقرير ابتداء. لكنها أُلزمت بذلك بعد لجوء بعض المحامين، وربما كان أبرزهم هورتون، لاستخدام قانون حرية المعلومات، ومع ذلك حاولت الوزارة إخفاء بعض أجزائه المهمة، وأصدرت تقريرا في 1700 صفحة ظهر فيه أثر التعديل والتبديل اللذين يدلان على الإحساس بالورطة.

وتولى الأساتذة والطلاب في كلية القانون في جامعة سيتون هَلْ فحص التقرير ومعارضة بعضه ببعض. وكشفوا في تقريرهم عنه الذي صدر في نوفمبر 2009م السببَ الذي جعل البنتاجون يخفي تقريره. إذ وجدوه موبوءا بالمتناقضات، وينقصه أهمُّ جزء فيه وهو الذي يتضمن إعادة بناء الأحداث التي حدثت تلك الليلة.

والتقط هورتون خيط الاستقصاء باتصاله بأربعة حراس كانوا مكلَّفين بحراسة المعتقل ليلة الحادثة. وأقر الأربعة جميعا بأن الضابط المسؤول عنهم أمرهم بألا يصرحوا بشيء عنها، وأفادوا بأن المسؤولين بدأوا عملية كان يقصد منها إخفاء حقيقة الحادثة خلال ساعات من وقوعها. كما قدموا أدلة قوية على أن السجناء الثلاثة نُقلوا قبل وفاتهم إلى خارج المكان الذي كانوا معتقلين فيه، وهو ما يشكك في صحة دعوى الانتحار.

ومن أبرز أولئك الحراس جوزف هيكمان الذي أدلى لهورتون بتفصيلات دقيقة لما شاهده من تصرفات غريبة تلك الليلة. وكان دافعه للإدلاء بملاحظاته أن ضميره، كما يقول، كان يؤنبه لخضوعه لتعليمات رؤسائه التي تفرض عليه إخفاء الحقيقة. وبذل جهودا حثيثة وسافر طويلا ليتصل بالمحامين الذين يمكن أن يتولوا كشف تلك الجريمة.

وبذل هورتون نفسُه جهودا جبارة في استنطاق الشهود، وسافر طويلا ليجمع أطراف الحقائق. ومنها حضوره إلى المملكة لمقابلة والد ياسر الزهراني، في الطائف، الذي أجرى معه مقابلة طويلة. وعارض الأدلة من مصادر مختلفة كثيرة بعضها ببعض ليركِّب صورة ما حدث.

ومن أبشع ما في هذه الحادثة أن المسؤولين الأمريكيين حاولوا إخفاء آثار جريمتهم باستئصال حناجر الضحايا الثلاثة لكي لا تشهد تلك الحناجر بآثار الخنق الذي يبدو أنه كان سبب وفاتهم، لا الانتحار بتعليق أنفسهم بحبال صنعوها من فُرُشهم، كما يدعي أولئك المسؤولون.

ومبالغة في الكذب ادعى المسؤولون أن الضحايا تركوا قصاصات كتبوا فيها أنهم سيقدمون على  الانتحار. وقد استقصى هورتون هذا الادعاء بعد سفره إلى المملكة ومقابلة والد ياسر الزهراني الذي نفى أن يكون الخط الذي كتبت به القصاصة التي يُزعم أن ابنه كتبها هو خط ابنه، واتهم المسؤولين الأمريكيين بتزييفها.

ولا يملك من يقرأ مقال هورتون إلا احترامه لمهنيته ونقاء ضميره ووعيه بحقوق الإنسان مهما كانت أصولهم أو انتماءاتهم الوطنية أو الدينية، وإن كانوا خصوما لدولته فيما يُزعم.
وختاما فإنه كما يجب أن ندين مرتكبي جريمة قتل الثلاثة وجريمة محاولة إخفائها يجب علينا بشكل مماثل أن ندين الذين كانوا سببا في إخراج هؤلاء الفتية من دفء بيوت أهليهم ليحاربوا في معارك الآخرين، وينتهوا إلى مثل هذا المصير.
*الوطن (العدد 3429)، 5/3/1431هـ/18/2/2010م.


التعليقات على المقالة :
لاتوجد اية تعليقات حالياً

هل تود التعليق على المقال:؟
العنوان
الاسم/ الكنية
البريد الالكتروني
التعليق