Skip Navigation Links
من تاريخ الافتئات
الافتئات على المؤسسات الدينية الرسمية
القضية أبعد من الشهود
أرشيف المقالات...
 
اضف بريدك الى قائمتنا البريدية
   
 
جامعة الملك سعود
أطلس العالم العربي
شبكة المواقع السعودية
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات
مكتب التربية العربي لدول الخليج
 ماهو تقييمك للموقع ؟



18/3/1431هـ/4/3/2010م.
 د. حمزة بن قبلان المزيني
القضاء والصحافة
 
حفظ المقال
 

يُتَّهم الكتّاب والصحفيون الآن بالتدخل في أحكام القضاء والإساءة إلى سمعة المملكة في الخارج لمناقشتهم بعض الأحكام التي يرون أنها لا تحقق العدالة. وليست الحملة الجديدة إلا نسخة لحملات سابقة على هؤلاء بسبب تناولهم بعض القضايا الوطنية كالمناهج التعليمية، والتأويلات الدينية المتطرفة، ونقدهم لأداء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلا.
ولم تذهب جهود الكتاب والصحفيين السابقة هباء. فقد تحققت كثير من الإصلاحات في التعليم والخطاب الديني، ليس أقلها حذف التأويلات المتشددة التي تؤسس للعداء للآخرين.

وأجرت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرا من الإصلاحات وصارت الآن أكثر استجابة للنقد. ويشهد بهذا التغير ثناء المتحدثين باسمها على الصحافة السعودية الآن وإبداء حرصهم على إقامة علاقات طيبة معها وتثمين نقدها.

ومن أوضح الدلائل على ذلك إشارة الرئيس العام للهيئة الشيخ عبد العزيز الحمين إلى "وجود علاقة حميمة تربط جهاز الهيئة مع مختلف الوسائل الإعلامية" (الوطن، 10/3/1431هـ).
ويمثل الهجمة الأخيرة ما أوردته الصحف عن الجلسة الأولى لـــ"الملتقى الأول للقضاء" الذي عقد مؤخرا في الرياض. ومن ذلك قول الشيخ صالح الحصين، الذي وصف الصحفيين والكتّاب السعوديين بأنهم وطنيون، إن "هناك من يشوه القضاء في المملكة, وأن من يكتبون في الخارج من كتاب وصحف أجنبية, كتابات مسيئة عن السعودية يستقون معلوماتهم مما ينشر في صحافتنا".
ومطالبته بأن "يثق المواطن بقضاته, ويثق المجتمع بجهازه القضائي, وفي كفاءة القضاة وقدراتهم وأمانتهم" .

ووجه بعض القضاة الذين حضروا الملتقى تعليقات وتساؤلات كثيرة "حول الإعلام وتناول القضايا المنظورة أمام القضاة, وانتقاد الأحكام القضائية في الصحف, مؤكدين رفضهم التام لمحاولات الإعلام التأثير في القضايا المنظورة أمام القضاة وطالبوا بوضع حد لهذا التدخل السافر من الإعلام في شؤون القضاة، وأنه يؤثر حتماً على القضايا المنظورة".

وقال الشيخ الحصين إن "القضاء في العالم كله ليس دائماً يصل إلى الحل الصحيح, والقضاء في العالم فيه أخطاء كثيرة، مدللاً على ذلك بأحكام الإعدام التي صدرت بحق 120 أمريكياً في عهد الرئيس كارتر، ثم ظهرت أدلة جديدة برأتهم من هذه المحكوميات .وقال: يجب ألا يسمح لأحد بانتقاد الأحكام القضائية, ولا التعرض لقضايا منظورة أمام القضاء" .

ومن الغريب الاحتجاج بالوضع في أمريكا لإيجاد الأعذار عن بعض الأحكام القضائية الخاطئة في بلادنا. وأعجب من ذلك ادعاء بعض المشاركين في الحملة بأن للقضاء في أمريكا حصانة مطلقة، وكأن ذلك يوجب حصانة مماثلة للقضاء في بلادنا.

ومادام أن هؤلاء الفضلاء يحتجون بالوضع في أمريكا فمن المناسب الإطلال على الوضع هناك حتى يتبين أن القضاء فيها لا يتمتع بمثل تلك الحصانة الموهومة. ومن الأمثلة الأخيرة على ذلك انتقاد الرئيس أوباما نفسه في خطبة "حالة الاتحاد" في 27/1/2010م حكمَ المحكمة العليا الذي نقض قانونا ساريا طوال المائة عام الماضية بمنع التبرعات المالية غير المقيَّدة للمتنافسين في الانتخابات الأمريكية. وقال "إن ذلك الحكم سيفتح الأبواب لأصحاب المصالح الخاصة ـــــــ ومنهم الشركات الأجنبية ــــــــــ للإنفاق بغير حدود في الانتخابات".
ولم يكن الرئيس أوباما الوحيد الذي أبدى معارضته لذلك الحكم، إذ وجد استطلاع للرأي أجرته صحيفة واشنطن بوست ومحطة آي بي سي أن 80% من الأمريكيين يعارضونه، وأن 65% منهم يعارضونه بـ"شدة".

(ولا يتقصر الأمر على أمريكا؛ فهذا رئيس وزراء إيطاليا غريب الأطوار، برلوسكوني، يهاجم القضاء الإيطالي ويصفه بـ"العصابة الطالبانية" (الحياة، 28/2/2010م)(.
وتخصص وسائل الإعلام الأمريكية كلها مراسلِين لرصد أخبار المحاكم. وتنشر الصحف وتعرض النشرات الإخبارية الأمريكية يوميا أخبارا وتعليقات تتعلق بالقضايا التي تنظرها المحاكم.

ومن أشهر البرامج الإخبارية التي تستقصي كثيرا من القضايا المنظورة أمام القضاء أو التي قضى فيها القضاء بأحكام خاطئة برنامجُ "ستون دقيقة" في قناة سي بي إس، وبرنامج "20/20" في قناة آي بي سي، وكثيرا ما تُعاد المحاكمات بسبب ما يكشفه الإعلام الأمريكي من أدلة جديدة عن بعض القضايا.
بل إن بعض الكتّاب السعوديين تدخلوا

في القضاء الأمريكي في الماضي القريب واتهموه بالتحيز ضد بعض مواطنينا الذين حوكموا هناك، واستنكروا الأحكام التي صدرت ضدهم.
وينبغي النظر إلى أحكام الإعدام الخاطئة الكثيرة التي أشار إليها الشيخ الحصين على أنها دليل على أن القضاة، في كل مكان، بشر يمكن أن يخطئوا. وما دام أن هذه الأخطاء حدثت في أحد الأنظمة القضائية الأكثر تنظيما ودقة فحدوث مثلها في الأنظمة القضائية الأقل تنظيما ووضوحا أكثر إمكانا.

ومادام شيخنا الفاضل يدعو إلى أن يثق الناس بالقضاة فلنتأمل الطرق التي يسعى النظام القضائي الأمريكي من خلالها لاكتساب تلك الثقة.
فمما يبين تلك الرغبة عقدُ القضاة الأمريكيين المؤتمرات المتلاحقة للبحث عن أفضل الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى ثقة الناس بالقضاء. ومن ذلك ما تنشره المجلات المتخصصة مثل مجلة "رابطة القضاة" Court Review S التي أصدرت عددا خاصا في خريف 1999م يضم الأبحاث التي ألقيت في أحد أهم المؤتمرات بعنوان "ثقة الناس واطمئنانهم إلى المحاكم".
إن التجاذب بين الإعلام والقضاء موجود في العالم كله. وينتج هذا التجاذب عن رغبة الصحافة في تلبية رغبة الناس في معرفة ما يحدث في المحاكم، والكشف عن أوجه القصور في النظام القضائي. أما المحاكم فترغب في التمتع بشيء من الحصانة.

واللافت أن الشكوى من الإعلام في العالم المتقدم لا تتركز على "تدخله في ما لا يعنيه"، بل على تقصيره في إيراد الأخبار التي تكشف أوجه التقصير في أداء المسؤولين الحكوميين، ومنهم القضاة. وتقوم الصحافة الاستقصائية في الغرب، ومنها أمريكا، دائما بالكشف عن كثير من الممارسات غير القانونية التي يرتكبها القضاة أنفسهم، بل وبعض ممارساتهم غير الأخلاقية.

ويُعد فضحُها لتحيزات القضاة البيض في الولايات الجنوبية قبل عقود ضد المواطنين الأمريكيين من أصول إفريقية من أشهر إسهاماتها التاريخية.
لذلك فالأولى إحسان الظن بالصحفيين والكتاب السعوديين لأن دافعهم خدمة العدالة في المقام الأول، وهم يؤدون دور الرقيب الشعبي الذي يساعد القضاء على تحسين أدائه. وستنتهي هذه الحملة إلى ما انتهت إليه الحملات السابقة بعد أن تتضح الخدمة الجليلة التي أداها نقدهم لهذا الجهاز المهم.
* الوطن (العدد 3443)، 18/3/1431هـ/4/3/2010م.


التعليقات على المقالة :
لاتوجد اية تعليقات حالياً

هل تود التعليق على المقال:؟
العنوان
الاسم/ الكنية
البريد الالكتروني
التعليق